عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
55
معارج التفكر ودقائق التدبر
ولمّا انتهت المدّة الّتي قدّر اللّه أن يعمّي فيها عن كلّ من حول سليمان من الإنس والجنّ واقع حال موته ، كانت الأرضة قد انتهت من وظيفتها الّتي أرسلها اللّه لها ، فانكسرت العصا ، فخرّ سليمان على الأرض . ولمح مناظرو وضعه أحيانا ، أنّه خرّ على الأرض خرور الموتى ، فدخل خاصّته ، وأعيان قصره إلى خلوته فوجدوه ميّتا . عندئذ : تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) : أي : ما لبثوا ينفّذون الأعمال الّتي كان قد أمرهم بتنفيذها قبل موته ، وكانوا يرهبون سطوته ، وما آتاه اللّه من سلطان قويّ عليهم . ودلّت القراءة الأخرى [ تبيّنت ] على أنّ الإنس الّذين كانوا يعتقدون في الجنّ أنّهم يعلمون شيئا من الغيب ، قد تبيّنوا أنّ اعتقادهم في الجنّ كان اعتقادا باطلا ، وظهر لهم أنّ الجنّ لا يعلمون شيئا من الغيب الخارج عن إدراكاتهم الحسّيّة . لبثوا : أي : أقاموا . المهين : أي : المذلّ المخزي . وبهذا تمّ تدبّر الدّرس الثالث من دروس سورة ( سبأ ) . والحمد للّه على معونته ومدده وتوفيقه وفتحه . * * * ( 7 ) التدبّر التحليلي للدّرس الرابع من دروس سورة ( سبأ ) الآيات من ( 15 - 21 ) قال اللّه عزّ وجلّ : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 15 إلى 21 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ( 17 ) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 )